محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
441
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
الفائدة الثانية : وهي الدليل على عدم وجوب ذلك ، فالدليل عليه إحدى عشرة حجة : الحجة الأولى : أنَّ الرجوع إلى الكتاب يُفيد ما يفيده الحفظ مِن ظن صحة الدليل المعوَّل عليه في الاجتهاديّات . فإن قلتَ : إنَّ الحِفظَ يُفيدُ العلمَ ، فيأمنُ الحافظ بحفظه مِن الخطأ ، والرجوعُ إلى الكتاب يُفيد الظن . قلت : هذا ممنوع لوجهين : أحدهما : أن الحافظ لأدلة الاجتهاد ، وإن علم أنَّه حافظ لها ، فثبوتُها عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مظنونٌ ، وثبوت معاني الظواهر من القرآن وسائر المتواترات مظنون . أمَّا ما كان لفظُهُ معلوماً ومعناه معلوماً ، فليس من الاجتهاد في شيء ، ذاك بابٌ آخر لم يتكلم فيه ، فإذا كان الأصلُ مظنوناً ، فلا معنى لاشتراط العلم في صفة نقله ، فإنَّ وجوب حفظه فرعٌ على كونه من كلام النبي - عليه السلام - ولم يجب العلم في الأصل ، فإيجابه في الفرع يُؤدي إلى أن يكون الفرعُ أقوى من أصله ، وهذا ظاهر السقوط . وثانيهما : أن نقول : ما مُرادُك بأنَّ الحافظ يأمنُ الخطأ بحفظه ؟ هل مُرَادك أن أمانه للخطأ دائم أو أكثري ؟ الأول ممنوع ، والثاني مسلَّم ولا يضر تسليمُهُ ، إنّما كان الأول ممنوعاً ، لأنَّا نعلم بالضرورة التجريبية أنَّ الحافظ قد يَغْلَطُ في حفظه ، وقد صَحَّ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلاً يتلو آية فقال - عليه السلامُ - : " رَحِمَكَ اللهُ لَقَدْ أذكَرْتَنِي آيةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا " ( 1 ) .
--> ( 1 ) أخرجه من حديث عائشة رضي الله عنها البخاري ( 5038 ) ، ومسلم ( 788 ) ، وأبو داود ( 1331 ) وأحمد 6 / 128 .